السبت, 21 كانون2/يناير 2017
Blue Red Green

  • أخبار سريعة
أخبار قانونية: رئيس القضاء يصدر قرارا بتخفيض رسوم تسجيلات الاراضي - الجمعة, 20 شباط/فبراير 2015 08:36
أخبار قانونية: البشير يطلع على أداء السلطة القضائية - الإثنين, 05 كانون2/يناير 2015 20:20
أخبار قانونية: رئيس القضاء يوجه بالاهتمام بقضايا المال العام - الإثنين, 05 كانون2/يناير 2015 20:15
الرئيسية مواضيع قانوينة متنوعة قــــرار مــجلــس الأمـــن رقـــم (1593/2005)فـــي المـيـزان

قــــرار مــجلــس الأمـــن رقـــم (1593/2005)فـــي المـيـزان

قــــرار مــجلــس الأمـــن رقـــم (1593/2005)فـــي المـيـزان

 

د. عبد الرحمن إبراهيم الخليفةحسن

الأستاذ المشارك

بكلية القانون- جامعة الخرطوم

والمحامى

 

تنص المادة (1) من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، 1998 على التالى:-

"....... ويخضع إختصاص المحكمة وأسلوب عملها لأحكام هذا النظام الأساس."

وبذلك يكون المرجع الضابط لإختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو النظام الأساس للمحكمة دون سواه ولاتمارس المحكمة ولا مدعيها العام بالضرورة أى إجراء قانونى إلا إذا كان ذلك الإجراء القانونى موافقاً لأحكام نظامها الأساس وتأسيساً على ماتقدم سنبسط الحجة التى تفضح مخالفة القرار 1593/2005 الذى اتخذه مجلس الأمن في جلسته رقم 5158 المنعقدة في 31 مارس 2005م وطلب المدعى العام ولائحة إدعائه لنظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية إذ ورد في البند (1) من ذلك القرار مايلى:

"يقرر (مجلس الأمن) إحالة الوضع القائم في دارفور منذ يوليو 2002م إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية."

تم قرار الإحالة بإشارة من مجلس الأمن إلى المادة 16 من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية وهى مادة لاصلة لها بالإحالة ولكنها مادة تتعلق بإرجاء التحقيق أو المقاضاة، كما تمت الإحالة بالإشارة إلى المادتين 75 و 79 من نظام روما الأساس، أما المادة الأولى منهما فهى تعالج حصراً جبر أضرار المجنى عليهم وأما المادة الثانية فهى عن الصندوق الإستئمانى لصالح المجنى عليهم وليس ثمة صلة بين قرار الإحالة والإشارة لهاتين المادتين. يبدو غريباً أن مجلس الأمن تحاشي تماماً الإشارة للمادة 13 (ب) من نظام روما الأساس والتى تشير للإحالة من مجلس الأمن كأحد أحوال ممارسة المحكمة لإختصاصها فيما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة (5) من نظام روما الأساس وهى:

 

 (جريمة الإبادة الجماعية).

(الجرائم ضد الإنسانية).

رائم الحرب).

(‌جريمة العدوان).

وقد أحاط مجلس الأمن في القرار 1593/2005 علماً بوجود الإتفاقات المشار إليها في المادة 98 (2) من نظام روما الأساس، وبما أن المادة 98 تتناول التعاون فيما يتعلق بالتنازل عن الحصانة والموافقة على التقديم فإن البند (2) منها يقرأ كالتالى:

"لايجوز للمحكمة أن توجه طلب تقديم يتطلب من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحو لايتفق مع إلتزاماتها بموجب إتفاقاتٍ دولية تقتضى موافقة الدولة المرسلة كشرط لتقديم شخص تابع لتلك الدولة إلى المحكمة، مالم يكن بوسع المحكمة أن تحصل أولاً على تعاون الدولة المرسلة لإعطاء موافقتها على التقديم."

إذا كان مجلس الأمن قد أحاط علماً بوجود إتفاقات دولية تقتضى موافقة تلك الدولة كشرطٍ لتقديم شخص تابع لها إلى المحكمة وعدم جواز توجيه طلب تقديم بوساطة المحكمة يتطلب من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحو لايتفق مع إلتزاماتها مع تلك الاتفاقات الدولية ففيم الإحالة إذاً؟!! وفيم العجلة من المدعى العام؟!! وكل ذلك النزق.؟!! كما ان المادة 98 لاتجوِّز للمحكمة الجنائية الدولية ولا المدعى العام أن يوجها طلب تقديم أو مساعدة يقتضى من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحوٍ يتنافى مع إلتزاماتها بموجب القانون الدولي فيما يتعلق بحصانات الدولة أو الحصانة الدبلوماسية لشخص مالم تستطع المحكمة الجنائية الدولية أن تحصل أولاً على تعاون تلك الدولة من أجل التنازل عن الحصانة.

هذه المواد تصلح للإشارة إلى قلق الولايات المتحدة الأمريكية من تقديم أى جندى أمريكى للمحكمة ولاتصلح سنداً للإحالة بل هى حجةُُ دامغةُُ ضد قرار الإحالة.

ورد في البند (2) من القرار 1593/2005 مايلى:-

"يقرر (مجلس الأمن) أن تتعاون حكومة السودان وجميع أطراف الصراع الأخرى في دارفور تعاوناً كاملاً مع المحكمة والمدعى العام وأن تقدم إليهما كل مايلزم من مساعدة، عملاً بهذا القرار، وإذ يدرك (مجلس الأمن) أن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس لايقع عليها أى إلتزام بموجب النظام الأساس، يحث جميع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى المعنية على أن تتعاون تعاوناً كاملاً."

إذا كان مجلس الأمن يدرك أن السودان دولة غير طرف لعدم مصادقته على نظام روما الأساس وأن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس لايقع عليها أى إلتزام بموجب النظام الأساس فعلى أى أساس يقرر مجلس الأمن أن تتعاون حكومة السودان تعاوناً كاملاً مع المحكمة والمدعى العام!؟ وإذا كان إختصاص المحكمة الجنائية الدولية وأسلوب عملها يخضع لنظام روما الأساس وفقاً للمادة (1) من ذلك النظام الأساس الذى لايلزم دولةً غير طرف بأى التزام كما أدرك مجلس الأمن، فعلى أى أساسٍ تمت الإحالة؟.

لقد جاء قرار مجلس الأمن رقم 1593/2005 معيباً ومليئاً بالعوار والإضطراب والتناقض على نحو لايليق بمجلس الأمن، إن نحن أحسنا الظن به، رغم أن المقام وظرف الحال لايقتضى إلاَّ سوء الظن.

يحدد المركز القانونى للمحكمة الجنائية الدولية وسلطاتها وفقاً للمادة (4) (2) من نظام روما الأساس.

"أن تمارس المحكمة وظائفها وسلطاتها على النحو المنصوص عليه في النظام الأساس في إقليم أية دولة طرف، ولها، وبموجب إتفاق خاص مع أية دولة أخرى، أن تمارسها في إقليم تلك الدولة."

وبما أن السودان دولة غير طرف في نظام روما الأساس وبما أنه لايوجد إتفاق خاص وفق منطوق المادة بين المحكمة وبين حكومة السودان فإن رعايا السودان خارج ولاية المحكمة الجنائية الدولية بالكلية ولاتستطيع المحكمة الجنائية الدولية بأى حال أن تمط إختصاصها ليشمل السودان ورعاياه.

هناك شروط مسبقة لممارسة الإختصاص فصلتها المادة (12) من نظام روما الأساس، وبما أنها شروط مسبقة لممارسة المحكمة الجنائية الدولية لإختصاصها فإن إنتفاء تلك الشروط ينفى إختصاص المحكمة نفياً تاما.ً أول تلك الشروط أن تكون الدولة طرفاً في نظام روما الأساس وتقبل بذلك إختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة (5) سالفة الذكر، وثانى تلك الشروط أن تقبل الدولة غير الطرف في نظام روما الأساس صراحةً وكتابةً إختصاص المحكمة الجنائية الدولية بموجب إعلان يودع لدى مسجل المحكمة الجنائية الدولية. ومعلوم بداهةً أن السودان ليس دولةً طرفاً في نظام روما الأساس وليس بينه وبين المحكمة إتفاق يقضى بقبوله لإختصاصها ولم يودع لدى المحكمة إعلاناً بالقبول، ولأنَّ هذا الشرط قد إنتفى هنا فقد إنتفى جواب الشرط معه.

تمارس المحكمة الجنائية الدولية إختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها في المادة (5وفقاً لأحكام النظام الأساس وفق نص المادة 13 من نظام روما الأساس. وهذه المادة مقروءة مع المادة (1) التى تقرأ كما يلى:

"ويخضع إختصاص المحكمة واسلوب عملها لأحكام هذا النظام الأساس." لاتتيح فرصةً لأى ترتيب خارج إطار نظام روما الأساس تمارس المحكمة بموجبه إختصاصها إذْ أن هذا الإختصاص نابع ومستمد حصرياً من النظام الأساس وليس من مجلس الأمن الذى لايستطيع أن يضيف للمحكمة إختصاصاً لم يمنحه لها نظامها الأساس، وسلطة مجلس الأمن في إحالة دولة طرف للمدعى العام مستمدة من نظام روما الأساس (المادة 13 (ب) لا من ميثاق الامم المتحدة أو الفصل السابع منه.

إنَّ الأحوال التى تمارس فيها المحكمة الجنائية الدولية إختصاصها وفقاً للمادة 13 من نظام روما الأساس هى:

)أ) إذا أحالت دولة طرف إلى المدعى العام وفقاً للمادة 14 (إحالة حالة من قبل دولة طرف) حالةً يبدو فيها أن جريمةً أو أكثر من هذه الجرائم (المشار إليها في المادة 5 من نظام روما الأساس) قد ارتكبت،

)ب) إذا أحال مجلس الأمن متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حالةً إلى المدعى العام يبدو فيها أن جريمةً أو أكثر من هذه الجرائم قد أرتكبت.

)ج) إذا كان المدعى العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة (15) (جرائم تدخل في إختصاص المحكمة الذى يلي الدول الأطراف دون سواها).

الذى يعنينا من المادة 13 من نظام روما الأساس هو فقرتها (ب) التى تقرأ كالآتى:

"إذا أحال مجلس الأمن متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حالةً إلى المدعى العام يبدو فيها أن جريمةً أو أكثر من هذه الجرائم قد إرتكبت."

يدعى البعض أن هذا النص يمنح مجلس الأمن سلطةً لإحالة حالة دولة للمحكمة الجنائية الدولية حتى وإن لم تكن طرفاً في نظام روما الأساس وهو قول يدحضه ويمحقه أولاً: ماورد في الفقرة (2) من القرار 1593/2005 (قرار الإحالة) وهو نص تطبيقى (Operative) ورد فيه مايلى:

"يقرر..... وإذ يدرك (مجلس الأمن) أن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس لايقع عليها أى إلتزام بموجب النظام الأساس."

لقد قطعت جهيزة قول كل خطيب. وهذا نصٌ بيِّن يتحدث عن نفسه بحيث يدركه المتأمِّل وغير المتأمّل إدراكاً نافياً لأى فهمٍ سواه، ومع ذلك يبقى على قوته حجةً واحدة من حجج أخرى تنفى الزعم بأن المادة 13 (ب) من نظام روما الأساس تمنح مجلس الأمن تلك السلطة المطلقة في إحالة أى دولة للمحكمة الجنائية الدولية حتى لو لم تكن تلك الدولة طرفاً في نظام روما الأساس.

إن نظام روما الأساس الذى تقوم عليه المحكمة الجنائية الدولية هو معاهدة بين الدول الأطراف فيه، وقد ورد في ديباجته مايلى:-

"إن الدول الأطراف في هذا النظام الأساس ..... قد إتفقت على مايلى:-"

هذا النظام الأساس مفتوح للتوقيع أو التصديق أو القبول أو الموافقة أو الإنضمام وفقاً لنص المادة 125 منه، وهذا شأن المعاهدات والإتفاقيات الدولية ويدخل حيز النفاذ لكل دولة تصادق على النظام الأساس أو تقبله أو توافق عليه أو تنضم إليه بعد إيداع الصك الستين (60) للتصديق أو القبول أو الموافقة أو الإنضمام وذلك وفقاً لنص المادة 126 من نظام روما الأساس، وكل هذا ترتيب لايكون إلا لمعاهدة، وبما أنه معاهدة فهو محكوم بنصوص إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969 التى تُطَبَّق وفقاً لمادتها (1) على المعاهدات بين الدول:-

"تطبق هذه الاتفاقية على المعاهدات بين الدول."

وقد سلمت المادة (10) من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، 1998م بالآتى:

"ليس في هذا الباب مايفسر على أنه يقيد أو يمس بأى شكل من الأشكال قواعد القانون الدولي القائمة أو المتطورة المتعلقة بأغراض أخرى غير هذا النظام الأساس."

وتتضمن إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969م كثيراً من قواعد القانون الدولى القائمة وبذلك لامجال ليعارض نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، 1998م إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969م.

تعرف إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969 الدولة "الطرف" وفق مادتها 2 (ز) بأنها "الدولة التى رضيت الإلتزام بالمعاهدة وكانت المعاهدة نافذةً بالنسبة إليها."

وتعرف الفقرة ح من ذات المادة "الدولة الغير" بالدولة التى ليست طرفاً في المعاهدة.

أما المعاهدة فالمقصود منها وفقاً للفقرة (أ) من المادة (2) من إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969 هو "الإتفاق الدولى المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذى ينظمه القانون الدولى، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان متصلتان أو أكثر مهما كانت تسميته الخاصة."

إن نظام روما الأساس معاهدة حتى وإن سمى ميثاق (مهما كانت تسميته الخاصة) وهو بذلك خاضع خضوعاً تاماً لأحكام إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969.

تقرر إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969 في المادة (6) أهلية كل دولة لعقد المعاهدات، والقول بأن مجلس الأمن متصرفاً بموجب الفصل السابع وإستناداً لنص المادة 13 (ب) من نظام روما الأساس يستطيع أن يلزم دولاً غير طرف في نظام روما الأساس بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وأن يحيل رعايا تلك الدول للمحكمة الجنائية الدولية ويلزمها بإلتزامات الدول الأعضاء قول يسقط تلك الأهلية عن الدول ويجعل مجلس الأمن والدول الأطراف في ميثاق روما أوصياء على الدول يفرضون عليها أن تخضع لإختصاص معاهدةٍ أو نظام إختارت ألاتكون طرفاً فيه وهو قول لا يقول به عاقل دع عنك حكيم.

إنه مما أدرك الناس منذ القدم ومما أرسته الشريعة الإسلامية ووافقتها عليه سائر الشرائع أن العقد شريعة المتعاقدين (Pacta Sunt Servanda) وهذا ما أرسته المادة 26 من إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969م والتى تنص بأن:

"كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية"

أما غير الأطراف فلا تعنيهم تلك المعاهدة من قريب ولا بعيد.

أما القاعدة العامة بشأن الدول الغير (غير الأطراف) فتحكمها المادة 34 من إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969م والتى تنص على الآتى:

"لاتنشئ المعاهدة إلتزاماً أو حقوقاً للدولة الغير بدون رضاها"

وعلى هذا لاينشئ نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، 1998م أى إلتزامات أو حقوق للسودان دون رضاه لأنه دولة غير طرف، وهذا ما أدركه مجلس الأمن في القرار 1593/2005 البند (2) إذ يؤكد التالى:

" وإذ يدرك أن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس لايقع عليها أى إلتزام بموجب النظام الأساس."

هناك حالة تنشئ فيها المعاهدات إلتزامات على الدول غير الأطراف وهذه الحالة تحيط بها المادة 35 من إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969م وتقرأ كالآتى:-

"ينشأ التزام على الدولة الغير من نصٍٍ في المعاهدة إذا قصد الأطراف فيها أن يكون هذا النص وسيلةً لإنشاء الإلتزام وقبلت الدولة الغير ذلك صراحةً وكتابةً."

وحتى لو سلمنا جدلاً بأن النص الوارد على الفقرة (ب) من المادة 13 من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية قد قصد به أن ينشئ التزاماً على الدول غير الأطراف فإن تحقيق ذلك الإلتزام هو قبول الدول غير الاطراف بذلك صراحةً وكتابةً وهو مالم يحدث في حالة السودان أبداً.

من المسلم به أن أساس ولاية القضاء الوطنى الدستور والقانون ولكن أساس ولاية المحكمة الجنائية الدولية رضا الدول الأطراف لاغير.

نصوص إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969م نصوص حاكمة وتطبق وفق المادة (5) منها "على أية معاهدة تعتبر أداةً منشئة لمنظمة دولية وعلى أية معاهدة تعتمد في نطاق منظمة دولية". ولايمكن ولايجوز قراءة نصوص نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية بمعزل عن إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969 والتى تشكل دستوراً للمعاهدات.

لابد وفقاً لنص المادة 14 من إتفاقية فيينا للمعاهدات، 1969م من التعبير عن الرضا بالإلتزام بالمعاهدة (نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية) بالتصديق عليها وهذا ماذهبت إليه المادتان 125 ، 126 من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، وإذا لم يتم التعبير عن ذلك الرضا بالتصديق على نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية أو أى معاهدة أخرى لايصبح السودان أو غيره طرفاً ولاينشئ نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية إلتزاماً عليه لأنه دولة غير طرف فيه ولم يقبل، كدولة غير طرف، بولاية المحكمة الجنائية الدولية.

ورد في متن القرار 1593/2005 البند (2) أن مجلس الأمن "يقرر أن تتعاون حكومة السودان وجميع أطراف الصراع الأخرى في دارفور تعاوناً كاملاً مع المحكمة والمدعى العام وأن تقدم إليهما كل مايلزم من مساعدة، عملاً بهذا القرار، وإذ يدرك (مجلس الأمن) أن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس لايقع عليها أى إلتزام بموجب النظام الأساس، يحث كل الدول والمنظمات الإقليمية والدول الأخرى المعنية على أن تتعاون تعاوناً كاملاً."

هذا التعاون الذى قرره (ويحاول فرضه) مجلس الأمن يخضع لأحكام نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية. ويدور الباب التاسع من النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية حول "التعاون الدولي والمساعدة القضائية" وتنص المادة الأولى من هذا الباب (المادة 86) على (الإلتزام العام بالتعاون) ولكنه تعاون الدول الأطراف لاسواها، وتقرأ المادة كالآتى:-

"تتعاون الدول الأطراف، وفقاً لأحكام هذا النظام الأساس، تعاوناً تاماً مع المحكمة فيما تجريه في إطار إختصاص المحكمة من تحقيقات في الجرائم والمقاضاة عليها."

ولأن التعاون المطلوب قاصر على الدول الأطراف دون سواها ولأَنَّ السودان ليس دولةً طرفاً فإنه ليس معنياً بهذه المادة ولاتنطبق عليه.

تنص المادة 87 والخاصة (بطلبات التعاون) على الآتى:

"تكون للمحكمة سلطة تقديم طلبات تعاون إلى الدول الأطراف وتحال الطلبات عن طريق القناة الدبلوماسية أو اية قناة أخرى مناسبة تحددها كل دولة طرف عند التصديق أو القبول أو الموافقة أو الإنضمام."

ويتضح من نص المادة أن طلب التعاون المحال عن طريق القناة الدبلوماسية أو غيرها تقدمه المحكمة إلى الدول الأطراف والسودان ليس دولةً طرفاً كما أسلفت ولذلك تعتبر محاولة المدعى العام تقديم طلبه بهذه الصورة محاولة للتذاكى والإستدراج وينبغى أن تهمل لأن السودان ليس معنياً بها.

كما تتناول المادة 87 من الباب التاسع من النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية حال الدولة غير الطرف التى تقبل تقديم المساعدة للمحكمة، ولاينطبق هذا الوصف على السودان لأنّه دولة غير طرف ولأنه لم يقبل تقديم المساعدة للمحكمة. هذا القبول بتقديم المساعدة إن تم يفتح الباب على مصراعيه للمحكمة ويتم وقتها التعامل مع السودان للأغراض العملية وكأنه دولة طرف.

تنص الفقرة (5) من المادة (87) من الباب التاسع من النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية على الآتى:

"للمحكمة أن تدعو أى دولة غير طرف في هذا النظام الأساس إلى تقديم المساعدة المنصوص عليها في هذا الباب على أساس ترتيب خاص أو إتفاق مع هذه الدولة أو على أى أساس مناسب آخر."

هذه السلطة الجوازية للمحكمة في دعوة الدولة غير الطرف إلى تقديم المساعدة والتعاون مشروطة بأن تتم على أساس ترتيب خاص أو إتفاق مع هذه الدولة أو على أى اساس مناسب آخر وكل هذه الأسس تتم برغبة الدولة غير الطرف وموافقتها ولا إذعان في الأمر إذ أن فكرة المحكمة كلها قائمة على الطوع والإختيار لا الإكراه  والإملاء. وبما أنه لايوجد بين السودان والمحكمة ترتيب خاص أو إتفاق أو أى أساس آخر للتعاون فلا يوجد، قانوناً، ما يحمل السودان على هذا التعاون وتقديم المساعدة للمحكمة أو المدعى العام.

تنص الفقرة خامساً المذكورة أعلاه على الآتى:

"في حالة إمتناع أى دولة غير طرف في هذا النظام الأساس، عقدت ترتيباً خاصاً أو إتفاقاً مع المحكمة، عن التعاون بخصوص الطلبات المقدمة بمقتضى ترتيب أو إتفاق من هذا القبيل، يجوز للمحكمة أن تخطر بذلك جمعية الدول الأطراف أو مجلس الأمن إذا كان مجلس الأمن قد أحال المسألة إلى المحكمة."

هذا الجزء من الفقرة (5) يصف حال إمتناع دولة غير طرف عقدت ترتيباً خاصاً أو إتفاقاً مع المحكمة. والحال كذلك فإن المحكمة حال إمتناع السودان، كدولة غير طرف لم تعقد ترتيباً خاصاً أو إتفاقاً مع المحكمة، لا تستطيع إخطار مجلس الأمن رغم أنه أحال المسألة للمحكمة، هذا إذا إلتزمت المحكمة بنص القانون.

إن تطبيق الفقرة (5) بشقيها معلق على شرط وجود ترتيب خاص أو إتفاق بين السودان كدولة غير طرف والمحكمة وبإنتفاء هذا الشرط لا تتحقق النتيجة ولاجواب الشرط.

القاعدة العامة التى لا خلاف حولها أن الدول غير الأطراف ليس عليها أى إلتزام بالتعاون مع المحكمة طالما أنها ليست طرفاً في الإتفاقية وبذلك لايكون على السودان أدنى إلتزام بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية طالما أنه ليس دولةً طرفاً ولم يعقد إتفاقاً أو ترتيباً خاصاً مع المحكمة الجنائية الدولية. ومعلوم ايضاً أن المحكمة تحيل أى تقصير في التعاون معها لمجلس الأمن إذا كانت المسألة قد أحيلت عن طريقهوكان ذلك التقصير من جانب دولة طرف أو دولة غير طرف أبرمت إتفاقاً أو ترتيباً خاصاً مع المحكمة، ولا يشمل هذا النص حال السودان لأنه ليس دولةً طرفاً ولم يبرم، كدولة غير طرف، أى إتفاق أو ترتيب خاص مع المحكمة الجنائية الدولية.

تؤكد المادة 89 (1) من النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية أيضاً ما ذهبتُ إليه إذ تنص هذه المادة على الآتى:-

"يجوز للمحكمة أن تقدم طلباً مشفوعاً بالمواد المؤيدة للطلب المبينة في المادة 91، بالقبض على شخص وتقديمه إلى أى دولة قد يكون هذا الشخص موجوداً في إقليمها، وعليها أن تطلب تعاون تلك الدولة في القبض على ذلك الشخص وتقديمه، وعلى الدول الأطراف أن تمتثل لطلبات إلقاء القبض والتقديم وفقاً لأحكام هذا الباب وللإجراءات المنصوص عليها في قوانينها الوطنية."

في هذه المادة تفريق واضح لايخفى على فَطِن بين سلطة المحكمة الجوازية في تقديم طلب إلى أى دولة طرف أو غير طرف يكون الشخص المراد القبض عليه موجوداً في إقليمها وبين إلزام الدول الأطراف لاسواها بالإمتثال لطلب كهذا.

وفقاً للمادة 93 من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية "تمتثل الدول الأطراف، وفقاً لأحكام الباب التاسع وبموجب إجراءات قوانينها الوطنية، للطلبات الموجهة من المحكمة لتقديم المساعدة فيما يتصل بالتحقيق أو المقاضاة."

بداهةً هذا النص يلزم الأطراف دون سواها بالإمتثال للطلبات الموجهة من المحكمة لتقديم المساعدة فيما يتصل بالتحقيق أو المقاضاة وليس هناك مايلزم السودان كدولة غير طرف في نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية أو المدعى العام إذ تتمحور فكرة التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية حول الدولة الطرف أو غير الطرف التى ترتضى طوعاً أن تقبل بإختصاص المحكمة الجنائية الدولية وتعبر عن ذلك صراحةً وكتابةً.

في مضمون طلب القبض والتقديم بموجب المادة (91) من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية فإن "الدولة الطرف تتشاور مع المحكمة، بناءاً على طلب المحكمة، سواء بصورة عامة أو بخصوص مسألة محددة." ولاتعد الدولة غير الطرف معنيةً بتشاورٍ كهذا وفي حال طلب معلومات أو وثائق الطرف الثالث في الطلب تتلقاه، وفق المادة (73) من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، الدولة الطرف من المحكمة وإذا تعلقت الوثائق بطرف ثالث وكان دولةً طرفاً فإن الدولة الطرف (الطرف الثالث) عليها أن توافق على الكشف عن المعلومات أو الوثائق أو التعهد بحل مسالة الكشف مع المحكمة إلا أن الدولة غير الطرف يمكنها رفض الموافقة على الكشف عن المعلومات أو الوثائق دون أن يرتب ذلك عليها أى مسئولية.

إن الترتيبات والإتفاقات المتعلقة بالتعاون مع الدول غير الأطراف أمر طوعى وخيار حر وليس إملاءاً من مجلس الأمن ولا المحكمة الجنائية الدولية دع عنك المدعى العام، وينظم هذه الترتيبات البند (107) من لائحة المحكمة الجنائية الدولية التى إعتمدها قضاة المحكمة في 26 مايو 2004 وهى من الوثائق الرسمية لتلك المحكمة.

وتبرم هذه الترتيبات مع دولة ليست طرفاً في النظام الأساس إثر مفاوضات يشرف عليها رئيس المحكمة الجنائية الدولية ويبرم رئيس المحكمة هذه الترتيبات باسمها كما أن المدعى العام بوسعه أن يبرم إتفاقات وترتيبات تيسر تعاون دولة غير طرف شريطة ألا تتعارض تلك الاتفاقات مع النظام الاساس للمحكمة الجنائية الدولية وفقاً لنص المادة 54 (2) (د) من ذلك النظام الأساس.

إن القول بإختصاص مجلس الأمن بإحالة رعايا دولة غير طرف أو حالة دولة غير طرف قول متعسف وينطوى على سوء نية إذ أن القراءة الصحيحة للبند (ب) من المادة 13 من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية تقتضى الرجوع للقاعدة العامة في التفسير وفقاً للفصل الثالث من إتفاقية فيينا، 1969م في تفسير المعاهدات والتى ترسيها المادة 31 منها على النحو التالى:

"تفسر المعاهدة بحسن نية ووفقاً للمعنى الذى يعطى لألفاظها ضمن السياق الخاص بموضوعها والغرض منها."

إن السياق الخاص بموضوع نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية والغرض منه هو إلزام الدول الأطراف التى قبلت طوعاً أو الدول غير الأطراف التى تقبل طوعاً وصراحةً وكتابة أن تلتزم بالتعاون من أجل محاكمة الجرائم الأشد خطورة والمحددة في المادة (5) من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، هذا السياق لايلزم الدول غير الأطراف والقول بإلزام الدول غير الأطراف يخرج النص من سياقه الخاص بموضوع النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية والغرض منه. كما أن تفسير المادة 13(ب) يشترط حسن النية في التفسير والمواقف المسبقة للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تجعل من إفتراض حسن النية أمراً مستحيلاً.

عددت المادة (13) من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية أحوال ممارسة المحكمة لإختصاصها وحصرتها في أحوال ثلاثة تتحدث فقرتان (أ،ج) من فقراتها الثلاث عن الدولة الطرف فما الذى يجعل الفقرة (ب) الخاصة بمجلس الأمن تخرج عن هذا السياق لتشمل دولةً غير طرف!؟ لو أرادت الدول الأطراف لنظام روما الأساس هذا المعنى الخاص وإتجهت نيتها إلى ذلك لافصحت عن ذلك المعنى الخاص الذى لايتسق مع السياق العام للمادة 13 ولا سائر مواد نظام روما الأساس.

يدعم ماذهبت إليه ماورد على نص المادة 87 (5) من نظام روما الأساس على النحو التالى:-

"في حال إمتناع دولة غير طرف في هذا النظام الأساس، عقدت ترتيباً خاصاً أو إتفاقاً مع المحكمة، عن التعاون بخصوص الطلبات المقدمة بمقتضى ترتيب أو إتفاق من هذا القبيل، يجوز للمحكمة أن تخطر بذلك جمعية الدول الأطراف أو مجلس الأمن إذا كان مجلس الأمن قد أحال المسألة إلى المحكمة."

هذه حالة دولة غير طرف في نظام روما الأساس عقدت ترتيباً خاصاً أو إتفاقاً للتعاون مع المحكمة وكان مجلس الأمن قد أحال المسألة إلى المحكمة.

الحالة الثانية التى يعددها نظام روما الأساس حصراً والتى يحيل فيها مجلس الأمن المسالة إلى المحكمة هى "حالة عدم إمتثال دولة طرفلطلب تعاون مقدم من المحكمة بما يتنافى وأحكام النظام يجوز للمحكمة أن تتخذ قراراً بهذا المعنى وأن تحيل المسألة إلى جمعية الدول الأطراف أو إلى مجلس الأمن إذا كان مجلس الأمن قد أحال المسألة إلى المحكمة." المادة 87 (7).

إذاً هناك حالتان لا ثالث لهما يحيل فيهما مجلس الأمن مسألةً أو حالة وفق المادة 13(ب) للمحكمة الجنائية الدولية الحالة الأولى حالة دولة غير طرف عقدت ترتيباً خاصاً أو إتفاقاً مع المحكمة الجنائية الدولية للتعاون والحالة الثانية حالة دولة طرف ولم يرد تخويل أو ذكر حالة يحيل فيها مجلس الأمن حالة دولة غير طرف لم تعقد ترتيباً خاصاً أو إتفاقاً للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية كحالة دارفور.

إن التعسف في تفسير المادة 13(ب) من نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية لسوق رعايا السودان سوقاً للمحكمة الجنائية الدولية لايتسق مع سائر بنود القرار 1593/2005 وعلى وجه الخصوص البند (5) الذى ينص على التالى:-

"يشدد (مجلس الأمن) أيضاً على ضرورة العمل على إلتئام الجروح والمصالحة ويشجع في هذا الصدد على إنشاء مؤسسات تشمل جميع قطاعات المجتمع السودانى، من قبيل لجان تقصى الحقائق و/أو المصالحة، وذلك لتدعيم الإجراءات القضائية وبالتالى تعزيز الجهود المبذولة لإستعادة السلام، بمساعدة مايلزم من دعم الإتحاد الأفريقى والدعم الدولى."

هذا البند يعطى أولويةً للتعافى الإجتماعى والتئام الجروح والمصالحة"Healing and reconciliation".

وهذا يقدم السلام أولاً على العدالة التى تأتى ثانياً وتهزم هذه الفكرة النبرة العدائية العالية للمدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، ولايستقيم أبداً أن يولى القرار 1593/2005 هذه الأهمية للعمل على إلتئام الجروح والمصالحة ثم يسعى بصورة إنتقائية وإبتزاز رخيص وتسييس غير محدود لتقديم لائحة إتهام في مواجهة السيد/ رئيس الجمهورية، كما لايستقيم القرار أبداً مع تقرير مجلس الأمن "إخضاع مواطنى أى دولة من الدول المساهمة من خارج السودان لاتكون طرفاً في نظام روما الأساس، أو مسئوليها الحاليين أو السابقيين، للولاية الحصرية لتلك الدولة المساهمة عن كل مايدعى إرتكابه أو الإمتناع عن إرتكابه من أعمال نتيجةً للعمليات التى أنشأها أو أذن بها المجلس أو الإتحاد الأفريقي، أو فيما يتصل بهذه العمليات، مالم تتنازل تلك الدولة المساهمة عن هذه الولاية الحصرية تنازلاً واضحاًوذلك وفقاً للبند (6) من القرار 1593/2005.

لايكاد المرء يتصور جرأةً على الاستهداف وإزدواجيةً في المعايير أكثر مماهو وارد في البند (6) أعلاه وفي سائر بنود القرار 1593/2005 الذى يدرك مجلس الأمن في البند (2) منه "أن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس لايقع عليها أى إلتزام بموجب النظام الأساس ويحثمجرد حث، الدول غير الأطراف على أن تتعاون، ويقرر في البند (6) أن رعايا الدول غير الأعضاء كافة حاشا السودان لايخضعون لولاية المحكمة الجنائية الدولية ويؤكد هذا البند بصورةٍ قاطعة أن رعايا تلك الدول غير الأطراف يخضعون للولاية الحصرية لتلك الدول، ورغم أن السودان دولة غير طرف وأن البند (2) من القرار 1593/2005 قد أكد ماذهب إليه نظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية من عدم وقوع أى إلتزام على الدول غير الأطراف ورغم أن البند (6) من القرار 1593/2005 رتب موقفاً عملياً على إدراك مجلس الأمن الوارد على ذات النص وهو إخضاع رعايا الدول غير الأطراف المساهمة من خارج السودان للولاية الحصرية لتلك الدول المساهمة، إلا أن القرار إستثنى السودان من نتيجة توفرت له كل مقدماتها دون أن يأبه لتبرير هذا الموقف الشاذ والغريب المخالف لقواعد القانون الدولى المستقرة.

إن قوة القانون لاتسعف مطلقاً في تبرير موقفٍ جائر كهذا ولكن قانون القوة هو الذى يكرس هذا الطغيان والكيل بمكيالين دون حياء، "إن مما ادرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ماشئت".

يتوهم البعض أن حرص الولايات المتحدة الامريكية على إستثناء أفراد قواتها المسلحة من ولاية المحكمة الجنائية الدولية يدعم الحجة بمُكْنَة مجلس الأمن في إحالة رعايا دولة غير طرف للمحكمة الجنائية الدولية وقد فات على هذا الفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك حق النقض لأى قرار لاتتفق معه وهى بذلك مطمئنة تماماً لسيطرتها على مجلس الأمن ولاستحالة تصرف المجلس بما يخالف رغبات الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن مصدر قلق الولايات المتحدة الأمريكية عائد لإحتمال إستهداف أفراد قواتها المسلحة التى كانت تعمل في حفظ السلام في منطقة البلقان وفي مناطق أخرى من العالم تحت مظلة الأمم المتحدة وهذا ماجاء صراحةً في البند (1) من القرار 1422/2005.

سبق لمجلس الأمن أن قرر بموجب القرار 1422/2002 أن الدول ليست جميعها أطرافاً في نظام روما الأساس وأن الدول الأطراف في نظام روما الأساس قررت أن تقبل إختصاصه وفقاً للنظام الأساس ولاسيما مبدأ التكامل وأن الدول التى ليست أطرافاً في نظام روما الأساس ستواصل الإضطلاع بمسئولياتها ضمن إختصاصاتها الوطنية فيما يتعلق بالجرائم الدولية. وهذا إقرار منذ العام 2002 وهو نفس العام الذى دخل فيه النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية حيز النفاذ (يوليو 2002) بأن قبول ولاية المحكمة الجنائية الدولية أمر طوعى إختارته الدول الأطراف ولا يلزم الدول غير الأطراف وأن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس تمارس إختصاصاتها الوطنية فيما يتعلق بالجرائم الدولية الأمر الذى ينفى ولاية المحكمة الجنائية الدولية على أى دولة غير طرف، سيَّما وقد قرر مجلس الأمن مرةً أخرى في القرار 1593/2005 أن الدول غير الأطراف في نظام روما الأساس لايقع عليها أى إلتزام بموجب النظام الأساس.

مما تقدم أقول بإطمئنان تام ألا سبيل للمدعى العام ولا دائرة ما قبل المحاكمة و لا المحكمة الجنائية الدولية لممارسة أى إختصاص على دولة غير طرف إلا إذا قبلت تلك الدولة غير الطرف بذلك الاختصاص أو أبرمت إتفاقاً أو ترتيباً خاصاً بالتعاون مع المحكمة وهذا مالم يحدث في حالة السودان. هذا إذا كان الأمر قانوناً أما إذا كان بطشاً وإرهاباً فعلى من يقف وراء هذه الملهاة أن يزيح عن وجهه تلك الغلالة الزائفة من القانون ليسفر عن وجهٍ إستعمارى جديد لدولٍ إستعمارية لم تفلح السنين في أن تنسيها تراثاً غابراً في قهر الشعوب.

إن لائحة إدعاء المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية وطلب التوقيف إجراءٌ ظاهره القانون وباطنه من قبله السياسة المسنودة من المجموعة الداعمة لهذه المواجهة.

 

والله المستعان على مايصفون،،،،،،،

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

  إشترك في القائمة البريدية

  إبحث في الموقع